محمد الحميدي
112
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
يدعوك ، فرجعت ، فوجدته جالسا ينتظرني ، فسلّمت وقمت بين يديه . فقال : ويحك ! أرأيت ما امتحنّا به ؟ فقلت : نعم أيها الأمير ، فقال : لا بدّ من الوفاء لها ، وما أثق في هذا بغيرك ، فتأهّب لتحملها إلى بغداد ، فإذا غنّت هنالك فاصرفها ، فقلت : سمعا وطاعة . قال : ثم قمت وتأهّبت ، وأمرها بالتأهّب ، وأصحبها جارية له سوداء تعادلها وتخدمها ، وأمر بناقة ومحمل ، فأدخلت فيه ، وجعلها معي . وصرت إلى مكّة مع القافلة ، فقضينا حجّنا ، ثم دخلنا في قافلة العراق ، وسرنا ، فلمّا وردنا القادسيّة أتتني السوداء عنها ، فقالت : تقول لك سيّدتي : أين نحن ؟ فقلت لها : نحن نزول بالقادسيّة . فانصرفت إليها وأخبرتها ، فلم أنشب أن سمعت صوتها قد ارتفع بالغناء [ من مجزوء الكامل ] : لمّا وردنا القادسيّة * حيث مجتمع الرّفاق وشممت من أرض الحجا * ز شميم أنفاس العراق أيقنت لي ولمن أحبّ * بجمع شمل واتفاق وضحكت من فرح اللّقا * ء كما بكيت من الفراق فتصايح الناس من أقطار القافلة : أعيدي باللّه ! أعيدي باللّه ! قال : فما سمع لها كلمة ، قال : ثم نزلنا الياسريّة ، وبينها وبين بغداد نحو خمسة أميال ، في بساتين متّصلة ، ينزل الناس بها ، يبيتون ليلتهم ، ثم يبكّرون لدخول بغداد . فلمّا كان قرب الصّباح ، إذ أنا بالسّوداء قد أتتني مذعورة ، فقلت : ما لك ؟ فقالت : إنّ سيّدتي ليست بحاضرة ، فقلت : ويلك ! وأين هي ؟ قالت : واللّه ما أدري ، قال : فلم أحسّ لها أثرا بعد ، ودخلت بغداد وقضيت حوائجي بها ، وانصرفت إلى تميم ، فأخبرته خبرها ، فعظم ذلك عليه ، واغتمّ له ، ثم ما زال بعد ذلك ذاكرا لها ، واجما عليها . 105 - محمد « 1 » بن عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن
--> ( 1 ) ترجمه ابن بشكوال في الصلة ( 1310 ) ونقل عن الحميدي ، والضبي في بغية -